عبد القادر الجيلاني
68
فتوح الغيب
فإنّ اللّه تعالى لا يكون عندك حتّى تنكسر « 1 » جملة هواك وإرادتك ، فإذا انكسرت ولم يثبت فيك شيء ولم يصلح فيك شيء ، أنشأك اللّه ، فجعل فيك إرادة ، فتريد بتلك الإرادة ، فإذا صرت في تلك الإرادة المنشأة فيك كسرها الرّبّ تعالى بوجودك فيها ، فتكون منكسر القلب أبدا ، فهو لا يزال يجدّد فيك إرادة ثمّ يزيلها عند وجودك فيها هكذا إلى أن يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ [ البقرة : 235 ] ، فيحصل اللّقاء ، فهذا هو معنى « 2 » : « عند المنكسرة قلوبهم من أجلي » . ومعنى قولنا : عند وجودك فيها : هو ركونك وطمأنينتك إليها . قال اللّه تعالى في حديثه القدسيّ الّذي يرويه صلّى اللّه عليه وسلم : « لا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنّوافل حتّى أحبّه ، فإذا أحببته كنت سمعه الّذي يسمع به ، وبصره الّذي يبصر به ، ويده الّتي يبطش بها ، ورجله الّتي يمشي بها » « 3 » « * » .
--> - المبارك ، عن أشرس ، عن وهب بن منبه ، ورواه البيهقي في الزهد الكبير ( 367 ) من طريق السري ، عن عبد الكريم بن رشيد ، كلاهما : أن داود عليه السلام قال : أي رب ، أين ألقاك ؟ . قال : تلقاني عند المنكسرة قلوبهم . وانظر صفوة الصفوة لابن الجوزي ( 2 / 293 ) . وانظره في بداية الهداية للغزالي ( ص 143 ) والأربعين في أصول الدين له ( 117 و 428 بتحقيقي ) والفوائد لابن القيم ( الفصل 51 . بتحقيقي ) وجامع العلوم والحكم للحافظ ابن رجب ( 1587 ) . وقال الملا علي القاري في الموضوعات الكبرى ( رقم 70 ) : ولا يخفى أن الكلام في هذا المقام لم يبلغ إلى غاية ، ولا أصل له في المرفوع . ( 1 ) تحرف في المطبوع إلى : ( تنكر ) . ( 2 ) في المطبوع : ( المعنى ) . ( 3 ) سئل شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه اللّه كما في مجموع الفتاوى ( 18 / 129 - 135 ) عن قوله صلّى اللّه عليه وسلم فيما يروي عن ربه عزّ وجلّ : « وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن ، يكره الموت وأكره مساءته » . ما معنى تردد اللّه ؟ . فأجاب : هذا حديث شريف ، قد رواه البخاري من حديث أبي هريرة ، وهو أشرف حديث روي في صفة الأولياء ، وقد رد هذا الكلام طائفة ، وقالوا : إن اللّه لا يوصف بالتردد ، وإنما يتردد من لا يعلم عواقب الأمور ، واللّه أعلم بالعواقب ، وربما قال بعضهم : إن اللّه يعامل معاملة المتردد . والتحقيق : أن كلام رسوله حقّ ، وليس أحد أعلم باللّه من رسوله ، ولا أنصح للأمّة منه ، ولا أفصح ولا أحسن بيانا منه ، فإذا كان كذلك كان المتحذلق والمنكر عليه من أضلّ الناس وأجهلهم -